تواجه أفريقيا خطر خسارة مليارات الدولارات من عائدات قطاع الاتصالات والوظائف والاستثمار في البنية التحتية لصالح مشغّلي الأقمار الاصطناعية الخارجيين الذين يعملون في ظل التزامات تنظيمية أخف وطأة مقارنةً بشركات الاتصالات المحلية، وفقاً لتقرير صادر عن منتدى الرؤساء التنفيذيين لأفريقيا وشركة Askya Investment Partners، وهي شركة من شركات رأس المال المغامر متخصصة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في أفريقيا.
يرى التقرير أن مشغّلي الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض (LEO) الخارجيين باتوا يستحوذون بشكل متزايد على العملاء ذوي القيمة العالية في الأسواق الأفريقية، دون أن يتحمّلوا نفس تكاليف الترخيص والضرائب والبنية التحتية والالتزامات التنظيمية المفروضة على مشغّلي الاتصالات المحليين.

جاءت هذه النتائج في وقت حصلت فيه شركة Starlink المملوكة لإيلون ماسك على تصاريح العمل في ما لا يقل عن 25 دولة أفريقية. وقد تسارعت وتيرة توسّع الخدمة حتى في ظل ما يواجهه المشغّلون التقليديون من ارتفاع التكاليف وتذبذب العملات وأعمال التخريب المكلفة للبنية التحتية والطلب المتنامي على بيانات الإنترنت بأسعار معقولة.
استناداً إلى أبحاث ومقابلات أُجريت مع أكثر من 30 من المديرين التنفيذيين في قطاع الاتصالات والجهات التنظيمية والمسؤولين الحكوميين والخبراء في الصناعة، حذّر التقرير من أن هذا الخلل قد يُضعف قطاعاً يدعم نحو 8 ملايين وظيفة رسمية، ويُسهم بأكثر من 30 مليار دولار في الضرائب سنوياً، ومن المتوقع أن يستثمر 77 مليار دولار في البنية التحتية للشبكات بين عامَي 2024 و2030.
يتوسّع مزوّدو خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية من أمثال Starlink بسرعة عبر القارة، مستهدفين العملاء الحضريين والتجاريين ذوي القيمة العالية الذين طالما شكّلوا مصدراً رئيسياً للإيرادات لمشغّلي الاتصالات.
وفقاً للتقرير، كانت Starlink قد حصلت على تصاريح في ما لا يقل عن 25 دولة أفريقية بحلول مطلع عام 2026، مع نحو 66,000 مستخدم في نيجيريا وأكثر من 67,000 في زيمبابوي خلال الربع الرابع من عام 2025، مما جعل زيمبابوي السوق الأسرع نمواً لـ Starlink في أفريقيا.
أشار التقرير إلى أن الخلل التنافسي يعود في معظمه إلى الفوارق في الالتزامات التنظيمية. فبينما يدفع مشغّلو الاتصالات رسوم ترخيص طيف ضخمة ويستثمرون بكثافة في البنية التحتية الأرضية ويُسهمون في صناديق الخدمة الشاملة، يدخل مشغّلو الأقمار الاصطناعية كثيراً من الأسواق في ظل اشتراطات أخف بكثير.
في السنغال على سبيل المثال، دفع مشغّلو الاتصالات التقليديون أكثر من 50 مليون دولار للحصول على تراخيص الجيل الخامس (5G)، في حين حصلت Starlink على ترخيصها بنحو 150,000 دولار.
حذّر التقرير من أنه مع تآكل مشغّلي الأقمار الاصطناعية لعائدات العملاء ذوي القيمة العالية، قد تتراجع شركات الاتصالات التقليدية عن استثماراتها في البنية التحتية، لا سيما في المناطق الريفية ومنخفضة الدخل حيث العوائد محدودة أصلاً. وأضاف أن المشغّلين في كينيا ونيجيريا يُبدون تحفّظاً متزايداً إزاء اقتناء طيف جديد أو الالتزام بتوسيع الشبكات الريفية في ظل تضيّق هوامش الربح.
كذلك تواجه الحكومات خطر فقدان مصدر رئيسي للإيرادات العامة إذا واصل مشغّلو الأقمار الاصطناعية توسّعهم دون أطر ضريبية وترخيصية أكثر وضوحاً، وفقاً للتقرير.
يُسهم قطاع الاتصالات حالياً بأكثر من 30 مليار دولار في الضرائب سنوياً عبر أفريقيا، ما يعادل 9.8% من إجمالي الإيرادات العامة، وفق ما أورده التقرير نقلاً عن بيانات GSMA. ويدفع مشغّلون من بينهم MTN وAirtel Africa وVodacom رسوم طيف وتشغيل ضخمة في أسواق عدة. وقد دفعت MTN وحدها 273.6 مليون دولار للحصول على ترخيص طيف الجيل الخامس في نيجيريا.
غير أن التقرير أشار إلى أن مدفوعات الاشتراكات التي تُقدّمها الأسر والشركات الأفريقية لمزوّدي خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية تتدفق في معظمها إلى شركات خارجية كـ SpaceX، مع إعادة استثمار محلي محدودة ومساهمات ضريبية شحيحة. وحذّر من أن الحكومات الأفريقية قد تواجه تصاعداً في "تسرّب الإيرادات" مع تحوّل المزيد من حركة البيانات الرقمية والقيمة الاقتصادية نحو مشغّلين خارج نطاق صلاحياتها التنظيمية.
تباينت ردود فعل الدول الأفريقية تجاه توسّع Starlink. ففي السنغال، اعترفت الجهات التنظيمية رسمياً بـ Starlink مزوّداً لخدمة الإنترنت في فبراير 2026، بعد أن دخلت الشركة السوق في البداية قبل حصولها على التصريح.
في المقابل، رفضت ناميبيا طلب ترخيص Starlink في مارس 2026، فيما أصدرت جنوب أفريقيا أوامر وقف وإنهاء بحق مزوّدي خدمة الإنترنت الذين يُتيحون الوصول إلى الخدمة. وعلى الرغم من هذه الإجراءات، أشار التقرير إلى استمرار استخدام Starlink في السوق الرمادية في كلا البلدَين.
كما أشار التقرير إلى أن الاتحاد الأفريقي للاتصالات قد حذّر من أن الأنظمة الترخيصية المجزّأة عبر القارة تُضعف القدرة التفاوضية للحكومات في مواجهة مشغّلي الأقمار الاصطناعية العالميين، الذين كثيراً ما تقع بنيتهم التحتية خارج نطاق الولايات الوطنية.
وأوصى التقرير بأن تعتمد الحكومات الأفريقية ما وصفه بنموذج الاتصال الهجين، الذي يُعامل مشغّلي الأقمار الاصطناعية بوصفهم في المقام الأول مزوّدين بالجملة يدعمون التغطية والصمود في المناطق المحرومة، بدلاً من المنافسة المباشرة على عملاء التجزئة المميّزين.


